عندما وصلت القهوة إلى إنجلترا في منتصف القرن السابع عشر، لم تكن مجرد مشروب جديد يضاف إلى الحياة اليومية، بل جاءت معها فكرة اجتماعية ثورية تمثلت في المقهى. فقد شكّلت المقاهي فضاءً عامًا جديدًا لم يكن مألوفًا من قبل، وجمعت بين أفراد المجتمع حول طاولة واحدة لتبادل الأخبار والأفكار.
مقابل بنس واحد فقط، وهو ثمن فنجان من القهوة، كان بإمكان أي رجل دخول المقهى، الجلوس إلى طاولة مشتركة، قراءة آخر الأخبار، والمشاركة في نقاشات تمتد من الفلسفة والعلوم إلى السياسة والتجارة وحتى الشائعات اليومية. هذا الانفتاح غير المسبوق جعل المقاهي أماكن نابضة بالحوار والمعرفة.
في زمن كانت فيه الجامعات حكرًا على فئة محدودة من المجتمع، ومع ازدياد معدلات القراءة والكتابة بين الناس، أصبحت المقاهي بديلًا معرفيًا متاحًا للجميع. ولهذا أطلق عليها لقب “penny universities” أو «جامعات البنس الواحد»، في إشارة إلى الدور التعليمي والثقافي الذي لعبته بتكلفة بسيطة.
لم تكن هذه المقاهي مجرد أماكن للترفيه، بل ساهمت في تشكيل الوعي العام وتعزيز ثقافة النقاش المفتوح. فقد أتاحت للناس فرصة الاطلاع على الأخبار، تبادل الآراء، وبناء شبكات اجتماعية وفكرية، وهو ما مهّد لاحقًا لظهور مفاهيم حديثة مثل الفضاء العام والصحافة الجماهيرية.
دخلت القهوة إلى إنجلترا في خمسينيات القرن السابع عشر، عبر طرق التجارة مع الدولة العثمانية وبلاد الشام. ولم تمضِ فترة طويلة حتى تحوّلت من سلعة غريبة إلى عنصر محوري في الحياة الحضرية. فقد افتُتح أول مقهى مسجّل في إنجلترا عام 1650 في مدينة أكسفورد، على يد رجل أعمال يهودي يُدعى يعقوب، ثم تبعته لندن بعد عامين فقط. ومع نهاية القرن، أصبحت المقاهي سمة أساسية من سمات المدن الإنجليزية.
على عكس الحانات وبيوت الشراب، كانت المقاهي أماكن رصينة لا يُقدَّم فيها الكحول. فالقهوة، بتأثيرها المنبّه، عززت اليقظة والتركيز بدل التخدير. وكان لهذا الفارق أهمية كبيرة في مجتمع اعتاد إدارة شؤونه التجارية والسياسية على موائد الشراب. فقد قدّمت المقاهي بيئة جديدة تشجّع على النقاش المنظم، والجدل العقلاني، والانتباه المستمر.
جسّد مصطلح “penny university” أو «جامعة البنس الواحد» جوهر تجربة المقهى. فمقابل بنس واحد، لم يحصل الزائر على فنجان قهوة فحسب، بل أُتيح له أيضًا الاطلاع على الصحف، الكتيبات، النشرات الإخبارية، والأهم من ذلك: المشاركة في الحوار. لم تكن هناك محاضرات رسمية، لكن المعرفة كانت تنتقل بحرية بين الطاولات والمقاعد.
استقطبت المقاهي مزيجًا غير مسبوق من روّاد المجتمع. فقد ناقش التجار أخبار الشحن مع قادة السفن، وجادل المحامون رجال الدين في مسائل القانون، وتبادل الأطباء أطراف الحديث حول التشريح مع عامة الناس، بينما جرّب الشعراء قصائدهم بصوت عالٍ، وتبادلت الفِرق السياسية الشائعات والاتهامات. وفي زمن سبق التعليم الجماهيري، أتاحت هذه المساحات للمواطنين العاديين التفاعل مع أفكار كانت حكرًا على النخب.
تزامن ازدهار المقاهي مع ثورة في ثقافة الطباعة. فقد شهد أواخر القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر انتشار الصحف والدوريات والكتيبات السياسية، وأصبحت المقاهي موطنها الطبيعي. احتفظت العديد من المقاهي بنسخ متعددة من الصحف للقراءة الجماعية، بل إن بعضها علّق نشرات الأخبار على الجدران، مما عزّز دور المقهى كمركز لتداول المعرفة والأحداث الجارية.
تدفقت المعلومات بسرعة لافتة عبر شبكات المقاهي الإنجليزية. فقد كان من الممكن أن يُناقَش خبر وارد من ميناء أجنبي، أو خطاب برلماني، أو فضيحة مالية، ويُفسَّر ويُعاد تشكيله خلال ساعات قليلة. وبهذا المعنى، لعبت المقاهي دورًا محوريًا في نشوء ما يسميه المؤرخون public sphere، أي الفضاء العام الذي يجتمع فيه الأفراد لمناقشة الشؤون العامة خارج إطار السلطة الرسمية.
ومع مرور الوقت، بدأت العديد من المقاهي في تطوير هويات مميزة، حيث انجذب الروّاد إلى أماكن بعينها عُرفت باهتمامات محددة. لم تعد المقاهي مجرد فضاءات عامة، بل تحولت إلى مراكز متخصصة لتداول أنواع معينة من المعرفة.
أصبحت Lloyd’s Coffee House مركزًا لأخبار الملاحة، والتأمين، ومعلومات الشحن البحري، قبل أن تتطور لاحقًا إلى Lloyd’s of London، أحد أهم أسواق التأمين في العالم. أما Will’s Coffee House فارتبطت بالحياة الأدبية، واستقطبت شخصيات مثل الشاعر والناقد John Dryden.
في المقابل، اشتهرت Jonathan’s Coffee House بالمضاربات المالية وتداول الأسهم، وساهمت بشكل مباشر في وضع الأسس الأولى لما أصبح لاحقًا بورصة لندن. بينما جذبت Grecian Coffee House العلماء والباحثين، بمن فيهم أعضاء من Royal Society، حيث دارت نقاشات حول الرياضيات، والفلك، والفلسفة الطبيعية.
كثيرًا ما أُشيد بالمقاهي باعتبارها أماكن تتسم بقدر من المساواة الاجتماعية. فقد أشار كتّاب معاصرون إلى أن المكانة الاجتماعية كانت أقل أهمية داخل المقهى مقارنة بالعالم الخارجي. وكان السادة، والحرفيون، وأصحاب المهن يخاطب بعضهم بعضًا بوصفهم نظراء فكريين، على الأقل من حيث المبدأ. كما علّقت بعض المقاهي قواعد على جدرانها تؤكد على الأدب، والنقاش العقلاني، وحرية التعبير.
لكن هذه المساواة لم تكن مطلقة. فقد ظلت المقاهي، في الغالب، فضاءات ذكورية، إذ استُبعدت النساء عادةً من ارتيادها كزبونات، رغم أن كثيرات منهن كنّ حاضرات خلف الكواليس كمالكات أو عاملات. كما ظل الانتماء الطبقي عاملًا مؤثرًا، حتى وإن خفّ تأثيره داخل المقهى. أما التسامح السياسي، فرغم الاحتفاء به، فقد كانت له حدود واضحة، إذ كثيرًا ما احتدمت النقاشات، وتجمّعت الفِرق المتنافسة في مقاهٍ مختلفة.
أثار هذا الانفتاح في تبادل الأفكار قلق السلطات. فقد اتُهمت المقاهي بنشر الفتن، والإشاعات، ومعارضة الحكم. وفي عام 1675، حاول الملك تشارلز الثاني قمعها رسميًا، فأصدر إعلانًا وصف فيه المقاهي بأنها أماكن تُختلق فيها “تقارير كاذبة وخبيثة وفضائحية ويتم نشرها بين الناس”.
لكن ردّ الفعل الشعبي كان سريعًا وقويًا. فقد واجه القرار معارضة واسعة، واضطرت الحكومة إلى التراجع عنه خلال أيام قليلة. كشفت هذه الحادثة مدى تجذّر المقاهي في الحياة الاجتماعية الإنجليزية، ومدى صعوبة السيطرة على تداول الأفكار بمجرد وجود مثل هذه الفضاءات المفتوحة.
لم يقتصر النقد على السلطات وحدها، بل شارك فيه الساخرون والكتّاب أيضًا. فقد سخرت بعض الكتيبات من المقاهي بوصفها أوكارًا للثرثرة الفارغة والتعلّم المتكلّف، بينما اشتكى آخرون من أن الرجال يضيّعون وقتهم في الجدل بدل العمل. ومع ذلك، حتى أشد المنتقدين لم يستطيعوا إنكار التأثير العميق لهذه الأماكن.
بدأت مكانة المقاهي في التراجع مع أواخر القرن الثامن عشر. فقد تولّت أندية السادة، والجمعيات الخاصة، والمؤسسات الأكثر رسمية العديد من وظائفها. كما أصبحت الصحف متاحة على نطاق واسع خارج الفضاءات الجماعية. ورغم استمرار شعبية القهوة كمشروب، فقد فقد المقهى تدريجيًا دوره كمركز للحياة الفكرية العامة.
ومع ذلك، ظل إرث penny universities حاضرًا. فقد أسهمت هذه المقاهي في ترسيخ ثقافة النقاش العام، وساعدت في تطور الصحافة الحديثة والأنظمة المالية، وأثبتت أن المعرفة لا يجب أن تبقى حكرًا على المؤسسات النخبوية. وكانت إحدى أعظم مساهماتها الدائمة هي ترسيخ فكرة أن الحوار ذاته يمكن أن يكون أداة للتعليم، وأن التعلّم يمكن أن يكون جماعيًا، جدليًا، ومتاحًا للجميع.








إرسال تعليق
1. نأمل الحفاظ علي الذوق العام وآراء وتعليقات الغير.
2. تجنب استخدام الكلمات البذيئة وتجنب أسلوب الهجوم والتجريح.
3. تذكر، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
4. يجب الالتزام التام بجميع قوانين سياسة الخصوصية.
5. يمكنك نشر رابط صورة أو فيديو ليتم عرضها في التعليق.